محمد رأفت سعيد
234
تاريخ نزول القرآن الكريم
وَحْيُهُ [ طه : 114 ] وقال عامر الشعبي : إنما كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حبّه له ، وحلاوته في لسانه ، فنهى عن ذلك حتى يجتمع ؛ لأن بعضه مرتبط ببعض . وقيل : كان عليه السّلام إذا نزل عليه الوحي حرّك لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه ، فنزلت : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ونزل : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) [ الأعلى ] ونزل : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ قاله ابن عباس . وَقُرْآنَهُ أي وقراءته عليك . وقال قتادة : فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أي فاتبع شرائعه وأحكامه ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ أي تفسير ما فيه من الحدود والحلال والحرام قاله قتادة وقيل : ثم إن علينا بيان ما فيه من الوعد والوعيد وتحقيقهما « 1 » . وهذا يطمئن من عقل إلى مصدر الوحي ، وأنه من عند الله ، وأن وعد الله لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم بحفظ كتابه يتضمن جمعه وقراءته وبيانه ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلم مبلغ عن الله سبحانه ، فلا ريب في الكتاب ولا فيما تضمنه الكتاب العزيز . ومما يتصل بيوم القيامة والنفس الإنسانية ما تذكره الآيات الكريمة كاشفة ميول النفس التي لم تركن إلى الحق ، ولم تؤمن به فأحبت الدنيا وتعلقت بها وتركت الآخرة والعمل لها ، وهذا من الأسباب القوية في عناد الكافرين واستمساكهم بكفرهم ظنا منهم أن الإيمان وتبعاته ستذهب عنهم متعة الحياة الدنيا . قال تعالى : كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ( 20 ) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ( 21 ) وما علم هؤلاء أن الدنيا عاجلة ولن يطول مكثهم فيها وأن الآخرة خير وأبقى لمن آمن وعمل صالحا ونظير هذا قوله تعالى : إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا ( 27 ) [ الإنسان ] . ومما يتصل بيوم القيامة والنفس الإنسانية انقسام الناس إلى قسمين قسم له الوجوه الناضرة الممتعة بالنظر إلى وجه ربها الكريم ، وقسم له وجوه كالحة كاسفة عابسة توقن بالهلاك قال تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ( 24 ) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ( 25 ) . فوجوه المؤمنين مشرقة حسنة ناعمة تنظر إلى ربها وكان ابن عمر يقول : أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم تلا هذه الآية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) وكان الحسن يقول : نضرت وجوههم ونظروا إلى ربهم « 2 » . ووجوه الكفار كالحة كاسفة عابسة يوم القيامة . ومما يتصل بيوم القيامة والنفس الإنسانية أنها ستساق سوقا إلى هذا اليوم ولا يجدى عندئذ أن يلوذ الإنسان برقية أو دواء يؤخر النفس إذا جاء أجلها : كَلَّا إِذا بَلَغَتِ
--> ( 1 ) القرطبي 19 / 106 . ( 2 ) المرجع السابق 19 / 107 .